كنت واحداً من أعضاء لجنة التحكيم لاختيار فيلمين أردنيين قصيرين ، من ضمن مهرجان الفيلم الفرنسي العربي. شاهدنا في الهيئة الملكية للأفلام أربعة عشر فيلماً ما بين الفيلم الروائي القصير والوثائقي والتسجيلي. وبعد المشاهدة اجتمعت اللجنة المؤلفة من خمسة أعضاء برئاسة د. سمير جبر وتناقشنا في نوعية الأفلام. وكان اقتراح المخرج خالد حداد مفيداً ، حيث قمنا ـ في البداية ـ باستبعاد الأفلام التي لا نرى أنها جديرة بالفوز ، وبالطبع تم استبعاد الأفلام التي تعتبر تقارير صحفية تلفزيونية مثل الفيلم الذي يتحدث عن العمال المصريين في الأردن ، أو الفيلم الذي يتحدث عن معاناة سكان مخيم غزة في جرش ، أو الفيلم الذي يتحدث عن المعاكسات ، أو الفيلم الذي يتحدث عن الملاكم الذي يقبع بالسجن ، أو فيلم العصر الذهبي عن دار المسنين ، وكان ذلك لسبب بسيط وهو أن هذه الأفلام ليست مبتكرة أو خلاقة أو جديدة: فهي بسيطة وسهلة ويمكن لأي هاو أن يصنعها.
توقفت اللجنة عند أربعة أفلام أو خمسة ، على الأقل ، وكان الفيلم الأخير "مساءات العطل" أفضل الأفلام المعروضة ، ولكن هذا الفيلم ـ كونه أنتج وصور بالكامل في بريطانيا ، وتوفرت لدى المنتج الإمكانيات كافة ـ لا يمثل السينما الأردنية بهذا الشكل ، ولذلك تم استبعاده ، رغم أهميته وجودته.
أما الأفلام التي نالت استحسان اللجنة فكانت "مفقود Missing لطارق الريماوي ، والفيلم التسجيلي ID:000 لوداد شفاقوج ، وديفيد دير ويزن حازمه ، وهو عن مجهولي النسب ، ونال فيلم يوسف نقاشاً مطولاً ، حيث ارتأى بعض أعضاء اللجنة أنه يمثل بداية صناعة سينمائية أردنية معقولة ، ولكن تحفظ بعض الأعضاء بسبب وجود انتقادات للفيلم ، وبسبب ارتباك القصة نفسها ، إلاّ أنه تمت الإشادة بالممثلة.
كنت واحداً من الذين رشحوا فيلمي: الريماوي ، وشفاقوج: لأن الأول معمول بطريقة احترافية عالية ، ويمكن ـ ببساطة ـ أن يعرض في أي مهرجان عالمي للأفلام القصيرة ، ويعطي انطباعاً إيجابياً عن السينما في الأردن ، إضافة إلى أن رمزيته ، جميلة وطريقة تنفيذه ساحرة. أما فيلم "مجهولي النسب" ، فبرغم أنه فيلم وثائقي أيضاً ، إلاّ أنه كاد يتحول إلى فيلم درامي ، ولم يكتف بعرض المشكة بل أظهر المعاناة الحقيقية لـً'مجهولي النسب' ، وعدم تقبل المجتمع لهم. وقد نفذ باتقان ، وجودة عالية ، وصور بمهارة فائقة ، ومُنتج بشكل لافت للنظر ، ومكثف ، وكان مؤثراً ، وأوصل الفكرة من دون أنْ يسبب مللاً للمشاهد. وتقديراً من اللجنة للسينما التسجيلية وأهميتها أعطيت الجائزة الثانية لهذا الفيلم بإجماع اللجنة.
وبالعموم ، يمكن القول إن هناك إرهاصات لانطلاقة سينما أردنية ، وإن هناك مواهب شابة قادرة على العطاء وتقديم الأفضل ، ولا أدري لماذا يصر مخرجو هذه الأفلام جميعها على تسمية أفلامهم بأسماء أجنبية ، ولماذا ينظرون إلى مجتمعهم من كاميرات مستوردة. إن الأدب ، والفنون عامة ، والسينما بالتحديد ، لا يمكن لها أن تنجح وتقدم شيئاً جميلاً وجدياً إن لم تعتمد على بيئتها المحلية ، ولنا في الدراما التركية مثل.
ومع ذلك ندعو المؤسسات والجامعات والدوائر المهتمة إلى دعوة مخرجي هذه الأفلام ، وعرضها ، وفتح نقاش حولها ، وهي فرصة ليفيد منفذوها والجمهور من مثل هذا الحوار.
كما ندعو المؤسسات والشركات المعنية إلى دعم هذا الفن ، وتقديم الإمكانيات كافة ، والتسهيلات للشباب الموهوبين لتمكينهم من ترسيخ صناعة سينما حقيقية قد تتطور ، لاحقاً ، في أفلام روائية طويلة ، تشكل إنجازاً مأمولاً ومتوقعاً.
بقي ، من الضروري ، توجبه الشكر للقائمين على مهرجان السينما الفرنسي العربي الذي يقام لدينا سنوياً ، ويرعى المواهب الشابة ، ولا ننسى أن الهيئة الملكية للأفلام ، والصندوق العربي لدعم االثقافة ، ومؤسسة عبدالحميد شومان ، لما يقدمون من دعم لهذا الفن بدأت تظهر ملامحه في الأفق ، مبشرة بإمكانية ولادة سينما أردنية معقولة.
musa.hawamdeh@gmail.com
Date : 26-06-2010 |